الصحة النفسية عند الطفل في ظل الأزمات والحروب
أعظم استثمار هو استثمار الطفل، تُعدّ الصحة النفسية عند الطفل من القضايا الأساسية التي تشكّل محوراً مهماً في بناء الإنسان والمجتمع، إذ تمثّل الطفولة المرحلة الأكثر حساسية في حياة الفرد، حيث تتكوّن خلالها الأسس النفسية والعاطفية والاجتماعية التي تؤثر في شخصيته وسلوكه طوال حياته. ولم يعد الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال أمراً ثانوياً، بل أصبح
ضرورة إنسانية وتنموية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من أزمات وحروب ونزاعات مسلحة أثّرت بشكل مباشر في ملايين الأطفال حول العالم.
تعرّف الصحة النفسية عند الطفل بأنها حالة من التوازن النفسي والانفعالي والاجتماعي تمكّنه من النمو السليم، والتعلّم، وبناء العلاقات، والتكيّف مع الضغوط والمواقف المختلفة بما يتناسب مع مرحلته العمرية.
الصحة النفسية لا تعني فقط غياب الاضطرابات، بل تشمل قدرة الطفل على الشعور بالأمان، والتعبير عن مشاعره، وتحقيق إمكاناته، والمشاركة الفعالة في المجتمع.
تشير الإحصاءات العالمية إلى أن الاهتمام بالصحة النفسية في مرحلة الطفولة يُعدّ عاملاً وقائياً بالغ الأهمية، حيث تُظهر الدراسات أن ما يقارب 50 % من الاضطرابات النفسية تبدأ قبل سن 14 عاماً، وأن نحو 75 % منها تظهر قبل سن 18 عاماً، مما يجعل التدخل المبكر ضرورة حتمية للحد من تفاقم المشكلات النفسية في مراحل لاحقة من العمر.
وتزداد خطورة التحديات النفسية التي يواجهها الطفل في أوقات الأزمات والحروب، حيث تُعدّ هذه الظروف من أكثر العوامل تدميراً للصحة النفسية للأطفال.
فالحروب تحرم الطفل من الشعور بالأمان، وتعرّضه لمشاهد العنف والدمار، والنزوح القسري، وفقدان المنزل، والانفصال عن الأسرة.
تشير دراسات ميدانية أُجريت على أطفال يعيشون في مناطق الحروب يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مثل الكوابيس، ونوبات الخوف، والقلق المزمن، واضطرابات النوم. كما يعاني نحو 25 % من هؤلاء الأطفال من أعراض الاكتئاب، بينما يظهر على نسبة كبيرة منهم سلوك عدواني أو انسحاب اجتماعي ولا يقتصر أثر الأزمات على الجانب النفسي فقط، بل يمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية والسلوكية للطفل.
فقد تؤدي الأزمات إلى حرمان الطفل من التعليم واللعب، وهما عنصران أساسيان في نموه النفسي والاجتماعي.
وتشير التقارير إلى أن نحو 222 مليون طفل كانوا خارج مقاعد الدراسة في مناطق الأزمات عام
2022 ، الأمر الذي يزيد من شعور الطفل بالعجز وفقدان الأمل، ويضعف فرصه في بناء مستقبل مستقر.
كما قد تظهر لدى الطفل سلوكيات عدوانية أو انسحاب اجتماعي نتيجة التوتر النفسي المتراكم وعدم قدرته على التعبير عن مشاعره.
وفي مواجهة هذه الآثار العميقة، يبرز دور منظمة الصحة الدولية في تسليط الضوء على ضرورة الاهتمام بالإرشادات النفسية الداعمة للأطفال في أوقات الأزمات. ويُعدّ توفير الشعور بالأمان العاطفي من أهم هذه الإرشادات، إذ يحتاج الطفل إلى الإحساس بأنه محمي ومحتوى،
حتى وإن كانت الظروف المحيطة غير مستقرة.
كما يُنصح بالاستماع إلى الطفل واحترام مشاعره، والسماح له بالتعبير عن خوفه وحزنه دون إنكار أو تقليل من شأن هذه المشاعر. فالتعبير العاطفي يُعدّ خطوة أساسية في التخفيف من حدة التوتر النفسي.
كما تقوم منظمة الصحة الدولية بالتأكيد على الحفاظ على روتين يومي منتظم قدر الإمكان، لأن الروتين يمنح الطفل شعوراً بالاستقرار والسيطرة في عالم يراه مضطرباً وغير آمن.
كما يُوصى باستخدام اللعب، والرسم، والأنشطة الإبداعية كوسائل فعّالة لمساعدة الطفل على التعبير عن مشاعره وصدماته بشكل غير مباشر.
وفي ظل هذه التحديات، تتجلّى بوضوح حقيقة أن أكبر استثمار هو استثمار الطفل. فالاستثمار في الصحة النفسية للطفل ليس عبئاً اقتصادياً، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان والمجتمع.
إن دعم الصحة النفسية للطفل في أوقات الأزمات يتطلّب:
– توفير الأمان العاطفي والاحتواء، والاستماع لمشاعر الطفل واحترامها، والحفاظ على روتين يومي منتظم يمنحه الشعور بالاستقرار.
– يُنصح باستخدام اللعب، والرسم، والأنشطة الإبداعية كوسائل علاجية فعّالة تساعد الطفل على التعبير عن صدماته بشكل غير مباشر. وفي الحالات التي تستمر فيها الأعراض النفسية لفترات طويلة، يصبح التدخل النفسي المتخصص ضرورة لا غنى عنها.
وفي الختام، فإن العناية بالصحة النفسية عند الطفل، خاصة في ظل الحروب والأزمات، تُعدّ مسؤولية أخلاقية وإنسانية مشتركة تقع على عاتق الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والمؤسسات الدولية.
فالطفل هو أساس المستقبل وعماد التنمية، وحمايته نفسياً اليوم تعني بناء جيل أكثر وعياً وتوازناً وقدرة على تحقيق السلام والاستقرار غداً.
إعداد: د. رهام الدروبي
دكتوراه في علم النفس-جامعة دمشق