صحة أسنان كبار السن وأثرها على التغذية والقدرة على المضغ والهضم

تُعد صحة الفم والأسنان لدى كبار السن أحد المكونات الأساسية للصحة العامة، لما لها من تأثير مباشر على التغذية، الوظيفة الهضمية، ونوعية الحياة. ومع التقدم في العمر، تزداد التحديات الصحية المرتبطة بالفم نتيجة التغيرات الفيزيولوجية الطبيعية، إضافة إلى تراكم الأمراض المزمنة وتعدد الأدوية المستخدمة، ما يجعل صحة الأسنان عاملاً حاسماً في الحفاظ على الاستقلالية والرفاه الصحي لدى هذه الفئة العمرية

تترافق الشيخوخة مع تغيرات فموية متعددة، تشمل زيادة انتشار أمراض اللثة المزمنة، فقدان الأسنان الجزئي أو الكامل، انحسار اللثة مع ازدياد نخور الجذور، إضافة إلى شيوع جفاف الفم الناتج عن الأدوية مثل مضادات الضغط، مضادات الاكتئاب، وأدوية السكري. هذه التغيرات لا تؤثر فقط على البنية التشريحية للفم، بل تنعكس بشكل مباشر على وظيفته الأساسية، وهي المضغ

يُعد المضغ المرحلة الأولى في عملية الهضم، إذ يساهم في تفتيت الطعام وزيادة مساحة سطحه، ما يسهل عمل الأنزيمات الهاضمة في الجهاز الهضمي. وعندما يعاني كبير السن من فقدان عدد كافٍ من الأسنان أو من أطقم سنية غير متوافقة، تنخفض كفاءة المضغ بشكل ملحوظ، الأمر الذي يدفعه إلى تجنب الأطعمة الصلبة أو الليفية مثل الخضار والفواكه الطازجة واللحوم، والاعتماد بدلاً من ذلك على أطعمة طرية غالباً ما تكون فقيرة بالعناصر الغذائية الأساسية

وقد أظهرت دراسات عديدة وجود علاقة واضحة بين الحالة السنية وسوء التغذية لدى كبار السن، حيث يرتبط فقدان الأسنان بانخفاض تناول البروتينات، الألياف، والفيتامينات، ولا سيما فيتامين B12 وفيتامين C وD. كما لوحظ ارتفاع معدلات فقر الدم، ضعف المناعة، وتراجع الكتلة العضلية لدى كبار السن الذين يعانون من مشكلات فموية غير معالجة، ما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض العامة ويؤثر سلباً على القدرة الوظيفية والاستقلالية

ولا يقتصر تأثير ضعف المضغ على التغذية فقط، بل يمتد ليشمل الجهاز الهضمي. فبلع الطعام دون مضغه بشكل كافٍ يؤدي إلى إجهاد المعدة، ويزيد من احتمالية حدوث عسر الهضم، الانتفاخ، والغازات، وهي شكاوى شائعة لدى كبار السن. في المقابل، يساهم الحفاظ على أسنان سليمة أو تعويضات سنية فعالة في تحسين الهضم وامتصاص العناصر الغذائية، وبالتالي تعزيز الصحة العامة

من جهة أخرى، تلعب التغذية المتوازنة دوراًُ مهماً في الحفاظ على صحة الفم نفسها. إذ يسهم الكالسيوم وفيتامين D في الحفاظ على العظم السنخي، بينما تدعم البروتينات عملية ترميم النسج الفموية، ويُعد فيتامين C عنصراًُ أساسياً لصحة اللثة. كما أن شرب كميات كافية من الماء يساعد في تقليل جفاف الفم وتحفيز إفراز اللعاب، الذي يشكل خط الدفاع الأول ضد النخور والالتهابات

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لطبيب الأسنان في رعاية كبار السن، من خلال التركيز على الوقاية والعلاج المبكر، والحفاظ على الأسنان الطبيعية قدر الإمكان، وتعويض الأسنان المفقودة بوسائل مناسبة تأخذ بعين الاعتبار الحالة الصحية العامة للمريض. كما يُعد التثقيف الصحي حول العناية الفموية والتغذية السليمة جزءاً أساسياً من الخطة العلاجية الشاملة

ختاماً، يمكن القول إن صحة أسنان كبار السن ليست مسألة موضعية أو تجميلية، بل هي عامل جوهري يؤثر على التغذية، الهضم، والصحة العامة. إن التكامل بين الرعاية السنية والتغذية الصحية يشكل أساساً مهماً لتحقيق شيخوخة صحية، ويحسن من نوعية الحياة والاستقلالية لدى كبار السن.

تلعب منظمة الصحة الدولية (IHO) دوراً محورياً في تعزيز صحة الفم كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، وخصوصاً لدى كبار السن. فقد أكدت المنظمة في استراتيجيتها العالمية لصحة الفم (2022–2030) أن أمراض الفم، وعلى رأسها فقدان الأسنان وأمراض اللثة، تُعد من أكثر الأمراض غير السارية انتشاراً بين كبار السن، ولها تأثير مباشر على التغذية، القدرة على المضغ، وجودة الحياة. وتدعو المنظمة إلى دمج خدمات صحة الفم ضمن نظم الرعاية الصحية الأولية، بما يضمن وصول كبار السن إلى الفحوص الدورية والعلاج الوقائي والتعويضي بأسعار ميسّرة ،كما تشدد منظمة الصحة الدولية على أهمية الوقاية من خلال تقليل استهلاك السكريات، تعزيز التغذية الصحية الغنية بالكالسيوم والفيتامينات، ومكافحة عوامل الخطورة المشتركة بين أمراض الفم والأمراض المزمنة مثل التدخين وسوء التغذية والسكري. وفي إطار “الشيخوخة الصحية”، توصي المنظمة بتطوير سياسات وطنية تهدف إلى الحفاظ على الوظيفة الفموية، بما يشمل القدرة على المضغ والكلام، باعتبارها جزءاً أساسياً من الاستقلالية والكرامة لدى كبار السن. ويعكس هذا التوجه إدراك المنظمة بأن الاستثمار في صحة الفم هو استثمار مباشر في الصحة العامة ونوعية الحياة في مراحل العمر
المتقدمة

حمل كتيب للتوصيات حول هذا الموضوع من FDI 

اعداد : الدكتور أدهم أحمد فروخ.
طبيب أسنان – اختصاص مداواة لبية مجهرية

  1. World Health Organization (WHO).

Oral Health for an Ageing Population

https://www.who.int/teams/noncommunicable-diseases/oral-health

  1. Petersen PE, Yamamoto T.

Improving the oral health of older people: the approach of the WHO Global Oral Health Programme.

Community Dentistry and Oral Epidemiology, 2005.

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/15642045/

  1. Sheiham A, Steele JG, Marcenes W, et al.

The relationship among dental status, nutrient intake, and nutritional status in older people.

Journal of Dental Research, 2001.

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/11332523/

Pharmacist currently serving as a Team Leader in the Medical Marketing team at Medico Pharmaceuticals Laboratories, With a strong academic foundation and hands-on experience in medical marketing, I excel in coordinating structured workflows, managing official documents, and training teams to operate under a unified system that supports consistency, compliance, and high performance.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *