سجلت المراكز الصحية خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الإصابة بالأمراض التنفسية الخفيفة، ما أعاد طرح تساؤلات واسعة حول وضع الجهاز المناعي لدى الناس بعد سنوات من جائحة كورونا، وما إذا كانت تلك المرحلة قد تركت أثراً طويل الأمد على قدرة الجسم في مقاومة الأمراض.
وتشير المعطيات الطبية إلى أن هذا الارتفاع لا يرتبط بضعف دائم في المناعة بقدر ما يعكس تغيراً في نمط التعرض اليومي للفيروسات، بعد فترة طويلة من الإجراءات الوقائية المشددة التي شملت التباعد وارتداء الكمامات وتقليل الاختلاط. هذه العوامل حدّت سابقاً من انتشار العدوى، لكنها في الوقت ذاته قللن من احتكاك الجهاز المناعي بالمسببات المرضية الشائعة.
وبحسب أطباء، فإن ما يُلاحظ حالياً هو عودة الجسم للتعامل مع فيروسات موسمية لم يتعرض لها بالوتيرة المعتادة خلال فترة الجائحة، وهو ما يفسر زيادة حالات الزكام والإنفلونزا، خاصة بين الأطفال وكبار السن، ويؤكد مختصون أن هذه الحالة مؤقتة وتندرج ضمن ما يعرف بإعادة تنشيط الاستجابة المناعية وليس تراجعها.
في السياق ذاته، توضح تقارير طبية أن الإصابة بفيروس كورونا قد تسببت لدى بعض الحالات، خصوصاً الشديدة منها، بتأثيرات محدودة على الجهاز المناعي، إلا أن معظم المصابين يستعيدون وظائفهم المناعية تدريجياً دون مضاعفات طويلة الأمد.
وتبرز هنا إرشادات منظمة الصحة الدولية التي شددت في أكثر من مناسبة على أهمية العودة إلى أنماط الحياة الصحية كعامل أساسي لدعم المناعة، بما في ذلك التغذية المتوازنة، والنوم الكافي، والنشاط البدني، إضافة إلى الالتزام باللقاحات الروتينية، خاصة للفئات الأكثر عرضة.
ويرى مختصون أن المرحلة الحالية تمثل فترة “إعادة توازن” للجهاز المناعي، بعد تجربة استثنائية فرضت تغييرات غير مسبوقة على السلوك اليومي للأفراد، ومع استمرار التعرض الطبيعي للبيئة، يتوقع أن تعود المؤشرات الصحية إلى مستوياتها المعتادة تدريجياً.
وتبقى الرسالة الأهم، وفق ما يؤكده أطباء، أن القلق من ضعف دائم في المناعة لا يستند إلى أدلة علمية حتى الآن، في حين أن الوقاية والوعي الصحي لا يزالان خط الدفاع الأول في مواجهة الأمراض الموسمية.


