عندما نتحدث عن أضرار موجات الحر، غالباً ما نفكر في التعرق والجفاف والإجهاد الجسدي أو حروق الشمس. لكن تأثير الحرارة لا يتوقف عند الجلد أو أعضاء الجسم؛ فالدماغ أيضاً يتأثر عندما ترتفع درجات الحرارة ويواجه الجسم صعوبة في الحفاظ على حرارته الطبيعية.
وتشير منظمة الصحة الدولية إلى أن التعرض للحر الشديد قد يؤثر في الصحة الجسدية والنفسية معاً، كما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم بعض الاضطرابات النفسية والحالات الصحية الموجودة مسبقاً.
لماذا نصبح أكثر توتراً في الجو الحار؟
في الأجواء الحارة، يعمل الجسم باستمرار على تبريد نفسه من خلال التعرق وزيادة تدفق الدم نحو الجلد. وتحتاج هذه العملية إلى جهد جسدي وطاقة إضافية، خصوصاً عند ارتفاع الرطوبة أو عدم شرب كمية كافية من الماء.
هذا الإجهاد قد يجعل الشخص يشعر بالتعب وعدم الراحة، ويقلل قدرته على تحمّل الضغوط اليومية. لذلك قد تصبح المواقف البسيطة أكثر إزعاجاً، ويزداد الميل إلى التهيج أو العصبية أو الرد بطريقة أكثر اندفاعاً.
ولا يعني ذلك أن الحرارة تغيّر شخصية الإنسان، لكنها قد تقلل مؤقتاً من قدرته على ضبط انفعالاته، خاصةً عندما تجتمع مع الإرهاق وقلة النوم والجفاف.
الحرارة والتركيز واتخاذ القرارات
يحتاج الدماغ إلى بيئة جسدية مستقرة حتى يؤدي وظائفه بكفاءة. وعندما ترتفع حرارة الجسم، قد يتأثر الانتباه والذاكرة العاملة والقدرة على معالجة المعلومات واتخاذ القرارات المعقدة.
وقد وجدت دراسات أن التعرض للإجهاد الحراري الشديد يمكن أن يؤثر في بعض الوظائف التنفيذية، مثل الانتباه المستمر والتحكم في الاستجابات والتفكير قبل اتخاذ القرار. إلا أن حجم التأثير يختلف بين الأشخاص، ويتوقف على شدة الحرارة ومدة التعرض والنشاط البدني والحالة الصحية ومدى الاعتياد على المناخ الحار.
لهذا السبب، قد يجد بعض الأشخاص صعوبة في إنجاز المهام التي تحتاج إلى تركيز طويل خلال ساعات الظهيرة، أو قد يتخذون قرارات متسرعة لأنهم يريدون إنهاء الموقف المزعج بسرعة.
الأرق يزيد المشكلة
تؤثر ليالي الصيف الحارة أيضاً في جودة النوم. فعندما تكون غرفة النوم ساخنة، قد يصعب الاستغراق في النوم أو يستيقظ الشخص عدة مرات خلال الليل.
وقلة النوم بدورها ترتبط بالإرهاق وسرعة الانفعال وضعف التركيز في اليوم التالي. وبذلك تتكون دائرة متكررة: حرارة مرتفعة، ثم نوم متقطع، ثم توتر وإجهاد ذهني أكبر.
وتشير أبحاث تناولت العلاقة بين موجات الحر والنوم والقدرات المعرفية إلى أن جودة النوم قد تكون عاملاً مهماً في حماية الأداء الذهني، خصوصاً لدى كبار السن.
من الأكثر تأثراً؟
يمكن للحرارة أن تؤثر في الجميع، لكن بعض الفئات تكون أكثر عرضة لمضاعفاتها، ومنها كبار السن والأطفال والعاملون في الأماكن المفتوحة والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة أو اضطرابات نفسية.
كما قد تؤثر بعض الأدوية في قدرة الجسم على تنظيم حرارته أو تزيد احتمال الجفاف. لذلك يجب عدم إيقاف أي دواء من دون استشارة الطبيب، بل ينبغي سؤال الطبيب أو الصيدلي عن الاحتياطات المناسبة خلال موجات الحر. وتوضح الجهات الصحية أن المصابين ببعض الأمراض النفسية قد يكونون أكثر عرضة للمشكلات المرتبطة بالحرارة.
دور منظمة الصحة الدولية:
تنصح منظمة الصحة الدولية بتقليل التعرض المباشر للحرارة، خصوصاً خلال أشد ساعات النهار حرارة. اجلس في مكان بارد أو جيد التهوية، وشرب الماء بانتظام.
تخصص من عشر إلى خمس عشرة دقيقة للتنفس العميق أو الاسترخاء في غرفة باردة. هذه الدقائق لا تخفّض حرارة الجو، لكنها تساعد على تهدئة استجابة الجسم للتوتر وتقليل الاندفاع.
ومن الأفضل أيضاً تأجيل النقاشات الحساسة والقرارات المهمة إلى وقت تكون فيه أكثر راحة وتركيزاً. وإذا شعرت بأنك أصبحت سريع الانفعال، الابتعاد قليلاً عن الموقف، وشرب الماء، وتبريد الجسم قبل استكمال الحديث.
الحرص كذلك على نوم جيد قدر الإمكان، واستخدام الستائر خلال النهار، وتهوية غرفة النوم عندما تنخفض الحرارة في الخارج. ويمكن أن يساهم الغذاء المتوازن، بما فيه الأسماك الغنية بأحماض أوميغا 3، في دعم صحة الدماغ بصورة عامة، لكنه لا يعوّض شرب الماء أو تبريد الجسم عند التعرض للحر الشديد.
متى تصبح الحرارة حالة طارئة؟
يجب التعامل بجدية مع علامات مثل الارتباك الشديد، والإغماء، وفقدان التوازن، والصداع الحاد، والجلد شديد السخونة، أو ارتفاع حرارة الجسم. فقد تدل هذه الأعراض على ضربة شمس، وهي حالة طبية طارئة تحتاج إلى مساعدة فورية.
لا تؤثر موجات الحر في الجسم فقط، بل قد تنعكس أيضاً على المزاج والنوم والتركيز وطريقة اتخاذ القرارات. ومع أن هذه التأثيرات تختلف بين شخص وآخر، فإن تبريد الجسم، وشرب الماء، والحصول على نوم كافٍ، وتقليل الضغوط خلال ساعات الحر الشديد خطوات بسيطة قد تساعد على حماية الدماغ والصحة النفسية.
فالهدوء في الصيف لا يعتمد على قوة الإرادة وحدها؛ أحياناً يحتاج العقل ببساطة إلى كوب ماء، ومكان بارد، وقليل من الراحة.


