تُعدّ القطط من أكثر الحيوانات الأليفة انتشاراً وقرباً من الإنسان، إلا أن بعض الأشخاص يعتقدون أن تربيتها تؤدي بالضرورة إلى الإصابة بالأمراض. ومن أشهر الأمراض المرتبطة بالقطط **داء المقوسات**، الذي ينتج عن الإصابة بطفيلي مجهري يُسمى **المقوسة الغوندية** أو *Toxoplasma gondii*. وعلى الرغم من ارتباط هذا الطفيلي بالقطط، فإن وجود قطة في المنزل لا يعني بالضرورة انتقال العدوى إلى الإنسان، إذ تحدث الإصابة غالباً نتيجة ممارسات محددة يمكن الوقاية منها بسهولة.
ما المقوسة الغوندية؟
المقوسة الغوندية طفيلي وحيد الخلية يستطيع إصابة الإنسان وعدد كبير من الحيوانات. وتُعد القطط العائل النهائي للطفيلي، أي إن الطفيلي يستطيع إكمال دورة حياته والتكاثر داخل أمعائها، ثم تطرح بعض القطط المصابة بيوض الطفيلي المجهرية مع البراز.
تنظيف صندوق فضلات القطة يومياً لأن الطفيلي لا يصبح معدياً فور خروجه مع البراز.
كيف تُصاب القطط بالمقوسة الغوندية؟
تُصاب القطط عادة عندما تتناول القوارض أو الطيور أو الحيوانات الصغيرة المصابة، أو عندما تأكل اللحوم النيئة التي تحتوي على أكياس الطفيلي. وقد تُصاب أيضاً من خلال تناول الطعام أو شرب الماء الملوث ببراز قط مصاب.
لذلك تكون القطط التي تخرج من المنزل وتصطاد الحيوانات، أو التي تتغذى على اللحوم النيئة، أكثر عرضة للإصابة من القطط المنزلية التي تتناول الطعام التجاري المطبوخ أو المعلب. ([Mayo Clinic][2])
كيف تنتقل العدوى إلى الإنسان؟
لا تنتقل المقوسة الغوندية عادة عن طريق لمس القطة أو مداعبتها، كما أن امتلاك قطة منزلية لا يعني أن صاحبها سيصاب بالمرض. وتحدث العدوى عندما يدخل الطفيلي إلى الفم بصورة غير مقصودة، ومن أبرز طرق انتقاله:
* تنظيف صندوق فضلات قطة مصابة ثم لمس الفم قبل غسل اليدين.
* لمس التربة أو الرمل الملوث ببراز القطط أثناء الزراعة أو اللعب.
* تناول الخضراوات والفواكه غير المغسولة جيداً.
* تناول اللحوم النيئة أو غير المطهية جيداً.
* شرب المياه الملوثة أو تناول بعض منتجات الحليب غير المبسترة.
* انتقال العدوى من الأم إلى الجنين إذا أُصيبت الأم للمرة الأولى خلال الحمل.
وقد تكون اللحوم غير المطهية جيداً والتربة أو المياه الملوثة من المصادر المهمة للعدوى، ولذلك لا ينبغي اعتبار القطط المصدر الوحيد لداء المقوسات. ([CDC][3])
تأثير المقوسة الغوندية في الإنسان
لا تظهر أعراض واضحة على معظم الأشخاص الأصحاء المصابين؛ لأن جهاز المناعة يمنع الطفيلي من التسبب بمرض شديد. وقد تظهر لدى بعض المصابين أعراض خفيفة تشبه الإنفلونزا، ومنها:
* ارتفاع درجة الحرارة.
* التعب والإرهاق.
* آلام العضلات.
* الصداع.
* تورم العقد اللمفاوية، خاصة في منطقة الرقبة.
قد يبقى الطفيلي بعد الإصابة في صورة خاملة داخل بعض أنسجة الجسم. وفي الأشخاص ذوي المناعة السليمة لا يسبب ذلك غالباً مشكلات خطيرة، لكنه قد ينشط مجدداً إذا ضعف جهاز المناعة.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
النساء الحوامل والأجنة
تزداد خطورة المرض عندما تُصاب المرأة بالمقوسة الغوندية للمرة الأولى أثناء الحمل أو قبله مباشرة، إذ يمكن أن ينتقل الطفيلي عبر المشيمة إلى الجنين. وقد تؤدي العدوى الخلقية إلى مشكلات في العينين أو الدماغ والجهاز العصبي، وقد لا تظهر بعض المضاعفات إلا بعد مرور فترة من ولادة الطفل.
ومع ذلك، لا تحتاج المرأة الحامل عادة إلى التخلي عن قطتها المنزلية. المطلوب هو اتباع إجراءات الوقاية، مثل تجنب تنظيف صندوق الفضلات قدر الإمكان وترك المهمة لشخص آخر. ([CDC][4])
الأشخاص ضعيفو المناعة
يمكن أن تكون العدوى شديدة لدى مرضى نقص المناعة، والمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، ومرضى السرطان، والأشخاص الذين يتناولون أدوية مثبطة للمناعة أو خضعوا لزراعة الأعضاء. وقد يؤثر الطفيلي لديهم في الدماغ أو العينين أو الرئتين وأعضاء أخرى، مما يستدعي التشخيص والعلاج الطبي السريع.
إصابة العين
قد تسبب المقوسة الغوندية التهاباً في شبكية العين والأنسجة المحيطة بها. وقد يؤدي ذلك إلى تشوش الرؤية، وألم العين، والحساسية للضوء، أو ظهور بقع في مجال النظر. ويجب مراجعة طبيب العيون عند ظهور هذه الأعراض.
هل تؤثر المقوسة الغوندية في السلوك؟
أظهرت دراسات على الحيوانات، وخاصة القوارض، أن الإصابة قد تؤثر في بعض استجاباتها السلوكية تجاه القطط. كما بحثت دراسات بشرية وجود ارتباطات محتملة بين العدوى وبعض التغيرات النفسية أو السلوكية. لكن هذه النتائج لا تثبت بصورة قاطعة أن المقوسة الغوندية تسبب اضطرابات سلوكية أو نفسية لدى الإنسان، ولا تزال العلاقة بحاجة إلى مزيد من البحث. لذلك يجب عدم نشر الخوف أو ربط تربية القطط مباشرة بالاضطرابات النفسية دون دليل طبي واضح.
تشخيص المرض وعلاجه
يمكن تشخيص داء المقوسات من خلال فحوص الدم التي تكشف الأجسام المضادة للطفيلي. وقد يحتاج الطبيب إلى فحوص إضافية عند الحوامل أو الأشخاص ضعيفي المناعة أو عند الاشتباه بإصابة العين أو الدماغ.
لا يحتاج معظم الأشخاص الأصحاء الذين لا يعانون أعراضاً شديدة إلى العلاج. أما الحوامل، وحديثو الولادة، وذوو المناعة الضعيفة، والمصابون بمضاعفات في العين أو الجهاز العصبي فقد يحتاجون إلى أدوية خاصة يحددها الطبيب. ولا ينبغي تناول علاج داء المقوسات دون إشراف طبي.
طرق الوقاية
يمكن تقليل خطر الإصابة باتباع عدد من الإجراءات البسيطة:
- 1. غسل اليدين جيداً بالماء والصابون بعد لمس التربة أو تنظيف فضلات القطط.
- 2. ارتداء القفازات عند العمل في الحديقة أو التعامل مع الرمل والتربة.
- 3. تنظيف صندوق فضلات القطة يومياً؛ لأن الطفيلي لا يصبح معدياً فور خروجه مع البراز.
- 4. تجنب قيام المرأة الحامل أو الشخص ضعيف المناعة بتنظيف الصندوق قدر الإمكان.
- 5. عدم إطعام القطط اللحوم النيئة أو غير المطهية.
- 6. إبقاء القطة داخل المنزل لمنعها من صيد القوارض والطيور.
- 7. عدم التعامل المباشر مع القطط الضالة، خصوصاً الصغار، أثناء الحمل أو عند ضعف المناعة.
- 8. طهي اللحوم جيداً وتجنب تذوقها قبل اكتمال نضجها.
- 9. غسل الفواكه والخضراوات وأدوات المطبخ وألواح تقطيع اللحوم.
- 10. تغطية صناديق الرمل التي يلعب فيها الأطفال لمنع القطط من التبرز داخلها.
تؤكد الإرشادات الصحية أهمية غسل اليدين، وارتداء القفازات عند ملامسة التربة، وتنظيف أدوات إعداد الطعام والأسطح بالماء الساخن والصابون. ([CDC][5])
المقوسة الغوندية طفيلي قد ينتقل إلى الإنسان عند ابتلاع الأكياس البيضية الموجودة في براز القطط بعد أن تصبح معدية، كما قد ينتقل أيضاً من اللحوم غير المطهية جيداً أو الطعام والماء والتربة الملوثة، لكنه ينتقل أيضاً من اللحوم غير المطهية والطعام أو الماء والتربة الملوثة. ولا تنتقل العدوى عادة بمجرد لمس القطة أو تربيتها في المنزل. ويكون المرض بسيطاً أو بلا أعراض عند معظم الأشخاص الأصحاء، إلا أنه قد يكون خطيراً على الأجنة والأشخاص ضعيفي المناعة.
لذلك لا ينبغي الخوف من القطط أو التخلي عنها، بل يجب الاهتمام بالنظافة، وتنظيف صندوق الفضلات بطريقة آمنة، وإطعام القطة طعاماً مطهواً، والالتزام بإجراءات سلامة الغذاء. ومن خلال هذه الاحتياطات يمكن للإنسان الاستمتاع بتربية القطط مع تقليل خطر الإصابة إلى حد كبير.


