مع ازدياد الرحلات البرية، والتخييم، والتنزه في الحدائق والمناطق العشبية خلال فصل الصيف، يزداد احتمال التعرض للقراد. وقد تبدو لدغته للوهلة الأولى مجرد احمرار بسيط أو حكة عابرة، لكنها قد تكون بوابة لانتقال أمراض بكتيرية تحتاج إلى التشخيص والعلاج المبكر.
القراد ليس كالناموس؛ فهو طفيلي صغير يلتصق بالجلد ويتغذى على الدم، وقد يبقى مختبئاً بين الشعر أو داخل ثنايا الجسم لساعات أو أيام من دون أن يسبب ألماً واضحاً. وينشط القراد بصورة خاصة في الأجواء الدافئة، ويوجد في الحدائق، والأعشاب الطويلة، والأحراش، والغابات، والمناطق التي تمر فيها الحيوانات.
لماذا توصف هذه الأمراض بأنها «صامتة»؟
لأن لدغة القراد قد تمر من دون ملاحظة، ولأن الأعراض الأولى للأمراض المنقولة به قد تكون عامة ومبهمة، مثل الحمى، والصداع، والتعب، وآلام العضلات والمفاصل.
كثير من المصابين بمرض لايم لا يتذكرون أنهم تعرضوا أصلاً للدغة قراد، وقد يكون السبب صغر حجم القرادة، خصوصاً في مراحلها المبكرة، أو التصاقها بمنطقة يصعب رؤيتها. لذلك لا ينبغي استبعاد المرض لمجرد عدم تذكّر وجود قرادة على الجلد.
مرض لايم: طفح قد يظهر بعد أيام
مرض لايم عدوى بكتيرية تنتقل إلى الإنسان عن طريق أنواع معينة من القراد المصاب ببكتيريا «بوريليا». وقد تبدأ أعراضه عادةً خلال فترة تتراوح بين 3 و30 يوماً بعد اللدغة، وتشمل:
- الحمى أو القشعريرة.
- الصداع والإرهاق.
- آلام العضلات والمفاصل.
- تضخم العقد اللمفاوية.
- ظهور طفح جلدي آخذ في الاتساع يُعرف باسم «الحمامى المهاجرة».
قد يبدو الطفح أحياناً كحلقة دائرية ذات مركز أفتح تشبه «عين الثور»، لكنه لا يأخذ هذا الشكل دائماً، وقد يظهر بلون أو هيئة مختلفة باختلاف لون البشرة. كما أنه يكون دافئاً أحياناً، لكنه غالباً لا يسبب حكة شديدة أو ألماً واضحاً. ويظهر هذا الطفح لدى نحو 70 إلى 80% من المصابين، ما يعني أن غيابه لا ينفي الإصابة.
وإذا لم يُعالج المرض مبكراً، فقد تنتشر العدوى وتؤثر في المفاصل، أو الجهاز العصبي، أو القلب، مسببةً تورم المفاصل، أو ضعف عضلات الوجه، أو الخدر والتنميل، أو اضطراب ضربات القلب. لكن العلاج المبكر بالمضادات الحيوية المناسبة يؤدي عادةً إلى تعافٍ جيد، ويقلل خطر المضاعفات.
حمى البحر المتوسط البقعية
حمى البحر المتوسط البقعية، أو الحمى البقعية المتوسطية، عدوى بكتيرية أخرى ينقلها القراد، وتسببها غالباً بكتيريا من مجموعة «الريكتسيا». وتوجد حالات منها في بلدان حوض البحر المتوسط، والشرق الأوسط، وأجزاء من أفريقيا وآسيا.
قد تشمل أعراضها:
- ارتفاع الحرارة.
- الصداع وآلام العضلات.
- طفحاً جلدياً بقعياً.
- ظهور قشرة أو قرحة داكنة في موضع اللدغة تُعرف باسم «القشرة السوداء».
- التعب والشعور العام بالمرض.
قد تكون الإصابة متوسطة الشدة، لكنها تستطيع في بعض الحالات أن تصبح خطرة، لذلك فإن اجتماع الحمى مع الطفح أو القشرة السوداء بعد رحلة برية يستدعي تقييماً طبياً سريعاً، من دون انتظار اكتمال جميع الأعراض.
الوقاية الذهبية بعد كل رحلة
بعد العودة من حديقة، أو مزرعة، أو غابة، أو رحلة تخييم، افحص جسمك وأجسام الأطفال والحيوانات الأليفة بعناية. ركّز خصوصاً على:
- خلف الركبتين.
- تحت الإبطين.
- بين الفخذين وحول الخصر.
- خلف الأذنين.
- فروة الرأس وخط الشعر.
- الرقبة والسرة.
- بين أصابع القدمين.
يُفضّل الاستحمام وتبديل الملابس بعد العودة، وفحص الحقائب والمعدات والملابس قبل إدخالها إلى غرف النوم.
وقبل الخروج، ارتدِ ملابس طويلة وفاتحة اللون لتسهيل رؤية القراد، أدخل أطراف البنطال داخل الجوارب، التزم بالمسارات الواضحة بعيداً عن الأعشاب الطويلة، واستخدم طارداً معتمداً للحشرات وفق تعليمات المنتج.
ماذا تفعل إذا وجدت قرادة ملتصقة بالجلد؟
لا تنتظر الذهاب إلى الطبيب لإزالتها؛ أزلها في أسرع وقت ممكن بالطريقة الصحيحة:
- استخدم ملقطاً نظيفاً ودقيق الأطراف.
- أمسك القرادة من أقرب نقطة ممكنة إلى سطح الجلد، عند موضع التصاق أجزاء الفم، وليس من جسمها المنتفخ.
- اسحبها إلى الأعلى بضغط ثابت ومتوازن، من دون لفّها أو هزّها بعنف.
- نظّف الجلد واليدين بالماء والصابون أو بمطهر مناسب.
- افحص بقية الجسم، فقد توجد قرادات أخرى.
لا تعصر القرادة بأصابعك، ولا تحاول خنقها بالفازلين أو الزيت أو طلاء الأظافر، ولا تحرقها وهي ملتصقة بالجلد؛ فقد يؤدي ذلك إلى تهييجها وزيادة إفراز السوائل في موضع اللدغة.
يمكن وضع القرادة بعد إزالتها في وعاء أو كيس محكم، أو التقاط صورة واضحة لها، إذا طلب الطبيب أو الجهة الصحية المحلية التعرف إلى نوعها. لكن لا تعتمد على فحص القرادة مخبرياً لتحديد إصابتك أو حاجتك إلى العلاج؛ فالنتيجة الإيجابية لا تعني بالضرورة انتقال العدوى، والنتيجة السلبية قد تمنح شعوراً زائفاً بالأمان.
راقب الأعراض ولا تنتظر
دوّن تاريخ اللدغة والمكان الذي يُحتمل أنك تعرضت فيه للقراد، وراقب صحتك خلال الأيام والأسابيع التالية. راجع الطبيب فوراً إذا ظهر:
- طفح جلدي يتوسع تدريجياً.
- حمى أو قشعريرة.
- صداع شديد أو تعب غير معتاد.
- ألم أو تورم في المفاصل.
- قشرة سوداء في مكان اللدغة.
- خدر، تنميل، ضعف في الوجه أو خفقان غير طبيعي.
أخبر الطبيب عن الرحلة أو التعرض المحتمل للقراد، حتى لو لم تتذكر لدغة واضحة. ولا تتناول مضاداً حيوياً من تلقاء نفسك؛ قرار الفحص أو العلاج الوقائي يعتمد على نوع القراد، والمنطقة الجغرافية، ومدة التصاقه، والحالة الصحية للشخص.
دور منظمة الصحة الدولية
تعمل منظمة الصحة الدولية على تقليل مخاطر الأمراض المنقولة بالنواقل، ومنها الأمراض التي ينقلها القراد، من خلال:
- إصدار إرشادات مبنية على الأدلة للوقاية من اللدغات ومكافحة النواقل.
- دعم الدول في ترصد الحالات والأوبئة وتحسين أنظمة الإبلاغ.
- تدريب الكوادر الصحية على التشخيص والعلاج وإدارة الحالات.
- تعزيز التوعية المجتمعية بالسلوكيات الوقائية.
- دعم تطوير وتقييم وسائل وتقنيات جديدة لمكافحة النواقل والأمراض التي تنقلها.
وتؤكد المنظمة أن الوقاية من لدغة القراد، والفحص الكامل للجسم بعد الأنشطة الخارجية، والإزالة السريعة والآمنة للقرادة، تمثل أهم خطوط الدفاع. (
رسالة اليوم
لا تجعل الخوف يفسد متعة الرحلات، لكن لا تستهِن بقرادة صغيرة. دقائق قليلة لفحص الجسم بعد العودة قد تمنع أسابيع أو أشهر من الأعراض والمضاعفات.
رحلة آمنة تبدأ بالوقاية، وتنتهي بفحص دقيق للجسم.


